سيد محمد طنطاوي
390
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل في طياته ثوب التأديب والإرشاد والتأنيب ، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى - : * ( وإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وتَرَكُوكَ قائِماً . . . ) * . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : يعاتب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ، التي قدمت المدينة يومئذ ، فقال : * ( وإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وتَرَكُوكَ قائِماً . . . ) * . فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال : قدمت عير - أي : تجارة - المدينة ، ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس ، وبقي اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية . وفي رواية عن جابر - أيضا - أنه قال : بينما النبي صلى اللَّه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فقدمت عير إلى المدينة ، فابتدرها الناس ، حتى لم يبق مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا ، فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد ، لسال بكم الوادي نارا » ونزلت هذه الآية . . « 1 » . وفي رواية أن الذين بقوا في المسجد كانوا أربعين ، وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر . . . « 2 » . وفي رواية أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كان يخطب ، فقدم دحية الكلبي بتجارة له فتلقاه أهله بالدفوف . فخرج الناس . و « إذا » في قوله - تعالى - : * ( وإِذا رَأَوْا تِجارَةً . . . ) * ظرف للزمان الماضي المجرد عن الشرط ، لأن هذه الآية نزلت على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله : * ( انْفَضُّوا ) * من الانفضاض ، بمعنى التفرق . يقال : انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه ، وهو من الفض ، بمعنى كسر الشيء والتفريق بين أجزائه . والضمير في قوله * ( إِلَيْها ) * يعود للتجارة ، وكانت عودته إليها دون اللهو ، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة ، والمراد باللهو هنا : فرحهم بمجيء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف ، لأنهم كانوا في حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار . والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة ، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 149 . ( 2 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 105 .